يسرى فودة يكتب: الماسونية (٦) فليكن ذلك على شرف اسمك الكريم ومجدك

المصدر : المصري اليوم

إذا صافحك شخص ما وأحسست من أصابعه أسلوباً غريباً فى المصافحة، فأغلب الظن أنه إما شاذ جنسياً أو ماسونى (أو كلاهما) يريد أن يتلمس طريقه إليك عسى أن تكون مثله. إنه سلام من «أخ» يقسم الماسونى على مساعدته فى أى مكان، فى أى زمان، فى أى ظرف، حتى بعد موته.

أدعوك إلى التأمل فيما قاله قبل أكثر من نصف قرن الرئيس الأمريكى الأسبق، هارى ترومان، فى خطاب رسمى: «أيادٍ لا حصر لها تتعانق كل يوم، وآباءٌ لا حصر لهم يودعون أبناءهم ويقولون: يا ولدى حين يحل بك الظلام والوحدة ابحث عن ماسونى، وقل له إنك ابن لماسونى وستجد فيه صديقاً لا يخذلك».

ومما لا شك فيه أن الأمريكيين علّموا العالم فنون السياسة الحديثة. علّمونا «الديمقراطية»، بغض النظر عما تعنيه هذه الكلمة، وفرضوا قواعدها، وعلّموا حكام العالم كيف يمكن أن «يفرضوا» أنفسهم على شعوبهم فى إطار «الديمقراطية». أمام هذا، علينا أن نتناول ما قاله رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بمنتهى الجد، فحين يقرر رجل فى مثل منصبه أن يتعرض فى خطاب رسمى إلى «فئة» من الناس بهذه الشاعرية والمعانى المحببة لا بد أنه يدرك مدى ثقلهم ونفوذهم.

وجدت نفسى فى نيويورك بدعوة من «الشيطان»، فأهلاً بكم إلى حكام العالم، أهلاً بكم إلى حكام حكام العالم، أهلاً بكم إلى دولة تتخذ من أحد أهم رموز الماسونية، العين الأحادية فى قمة الهرم، شعاراً يلف العالم كل يوم ملايين المرات على أشهر عملة فى العالم وأكثرها انتشاراً: الدولار الأمريكى.

على الوجه الآخر من العملة الورقية فئة الدولار الواحد صورة أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، جورج واشنطن، الذى لم يكن فى الوقت نفسه ماسونياً وحسب، بل كان الرئيس الأعظم للماسونيين، وجاء فى أعقابه آخرون من حكام حكام العالم. رغم تاريخها الطويل، وقصر تاريخ هذا البلد، هل الماسونية صنيعة أعظم دولة فى العالم؟ أم أن العكس، كما يعتقد البعض، هو الصحيح ؟

يحتشد فى هذا البلد أكبر عدد من ماسون العالم، أكثر من ثلاثة ملايين موزعين على الولايات المختلفة. ليس الأمر كماً وحسب، بل أهم منه الكيف، إذ إن ثمانية على الأقل ممن وقّعوا على إعلان استقلال أمريكا عن بريطانيا كانوا ماسونيين، وثلاثة عشر ممن وقّعوا على الدستور الأمريكى كانوا ماسونيين، وستة عشر ممن وصلوا إلى منصب رئيس أعظم دولة فى العالم كانوا أيضاً ماسونيين.

خرجتُ من محطة مترو الأنفاق فى نيويورك، كى تصافح عينى مباشرة زينة وتواشيح ورموز أدركت معناها على الفور وهى تتدلى من ذلك المبنى الضخم، مبنى «محفل نيويورك الأعظم».

أمام بابه كانت الحافلات السياحية المتراصة تفرغ حمولتها من مئات الرجال الذين ارتدوا حُلَلاً سوداء اللون مهيبة، كأنهم فى طريقهم إلى إحدى حفلات الكوكتيل فى منتصف النهار، تعلو وجوههم ابتسامات واثقة وهم يدخلون فى نظام غريب إلى المحفل مطلقين النكات يميناً ويساراً.

هذا المؤتمر الذى يدعو إليه سنوياً محفل نيويورك يمثل ملتقى ليس للماسونيين الأمريكيين وحسب، بل أيضاً لـ «إخوانهم» من كل أصقاع الأرض. من بين هؤلاء وفود من دول عربية طلبوا منا عدم الإفصاح عن شخصياتهم، ووعدناهم.

فى قاعة عملاقة تشبه مسرحاً للأوبرا كان مقعدى فى موقع استراتيجى فى منتصف الشرفة المطلة رأساً على خشبة المسرح التى كان يعتليها السيد الأعظم وأعوانه، فيما احتشدت القاعة -أسفل وأعلى- بوفود المحافل الماسونية من كل صوب وحدب. خلفى مباشرةً بدأ أحدهم يعزف على البيانو، وسرعان ما عبقت القاعة بنغمات ملائكية، وحين بلغ نغمة بعينها وجدت كل من كان فى القاعة واقفاً فوقفت معهم.

الآن أستطيع أن أرى بوضوح الوفود العربية فى الشرفات اليسارية، واقفةً فى خشوع بين يدى الماسونية. وفى تلك اللحظات أذِن السكرتير الأعظم ببدء صلاة لا هى يهودية ولا هى مسيحية ولا هى إسلامية. هى خليط من ذلك كله بين الترنم والتمايل والركوع والغناء والترتيل، وآخر دعواهم: «فليكن ذلك على شرف اسمك الكريم ومجدك .. آمين».

حين تقارن الماسونية الأمريكية بأختها الأوروبية تجدها أكثر انبساطاً وأكثر تغلغلاً فى المجتمع. كان أمامى طريقتان من اثنتان، فإما أن أخاطر بإرسال كاميرا سرية مع أحدهم، أو أن أقبل دعوة رسمية فى إطار سياستهم الجديدة. قررت أن أتحدى نفسى فاخترت الطريق الثانية وأنا أعلم أنها ستقف بى دون بعض الأبواب، لكننى تركت لهم حرية اقتياد الكاميرا وتركت لنفسى حرية الملاحظة.

انفضت الجلسة الأولى، وبعد استراحة قصيرة دخلوا إلى جلسة مغلقة منعونى من تصويرها، وبعد انتهاء الجلسة الثانية دعونى لمشاهدة وفد دولة عربية أثناء تنصيب عدد من أعضائه رؤساء عظاماً لمحافلهم العربية، وهم يقطعون على أنفسهم القسَم نفسه الذى يمكن أن يقطعه على نفسه يهودى، فيحق له أن يفضّلوه على مسلم أو مسيحى يتصادف أنه غير ماسونى.

ثلاث شمعات عملاقة تحيط بطاولة مستطيلة فى وسط القاعة عليها غطاء بنفسجى اللون فوقه وسادة صغيرة قرمزية اللون فوقها الإنجيل نفسه الذى وضع جورج واشنطن كفه عليه وهو يحلف يمين الرئاسة، وفوق الإنجيل يتعانق الفرجار والزاوية القائمة.

أمام طرف من الطاولة ركع ماسونيان عربيان على ركبتيهما، ووضعا كفيهما على الإنجيل فيما وقف السيد الأعظم شامخاً أمام الطرف المقابل يقرئهما قسَم الولاء والواجب جملةً جملة، وفى النهاية يحدق فى أعينهما ملياً ويبتسم ويقول: «انهضا، فقد تم تنصيبكما»، فينهض من أصبحا فى تلك اللحظة سيدين أعظمين وتضج القاعة بالضحك والتصفيق.

خرجت من المحفل وأنا أعلم أننى رأيت جانباً من طقوس الماسونية يبدو احتفالياً فى أساسه، ولم أر الجانب الآخر الذى ربما يكون أكثر أهمية. لست أدرى إن كان للماسونيين دستور مكتوب يوقعون عليه، بالقلم أو بالقسَم أو بكليهما، قبل تنصيبهم، أم أنه دستور غير مكتوب يفهمونه ويطبقونه من تلقاء ذواتهم، إذا أراد أحد منهم أن يصيب مراماً فى باله.

ولست أدرى مدى صحة أنك لا تصل بينهم إلى الدرجة الثالثة والثلاثين إلا بعد أن تمزق القرآن والإنجيل وتبول عليهما وتتفنن أمامهم فى إثبات أنك حقاً فاسق. لكننى الآن أعلم على الأقل أن الشاعر اللبنانى الماسونى، إبراهيم اليازجى، بعث أواخر القرن الماضى بقصيدة إلى «أخيه» الماسونى، شاهين مكاريوس، يهاجم فيها الإسلام والمسيحية فى آنٍ معاً:

الخيرُ كلُّ الخيرِ فى هدمِ الجوامعِ والكنائسْ والشرُّ كلُّ الشرِّ ما بين العمائمِ والقـلانسْ

ما هم رجالُ اللهِ فيكم، بل همُ القومُ الأبالسْ يمشونَ بين ظهورِكم تحت القلانسِ والطيالسْ

كما أعلم أن الماسونى اللبنانى، يوسف الحاج، الذى تسلّق حتى بلغ الدرجة الثالثة والثلاثين، يعترف بلسانه بأن الماسونية يهودية، وبأنهم، كالصهاينة، يؤمنون بوطن قومى لليهود فى فلسطين. وأعلم أيضاً أنه عُثر أثناء الحرب الأهلية فى لبنان على وثيقة فى أحد المحافل، تكشف شفرة الاتصال بين الأعضاء وكلمات السر المرتبطة بكل درجة على حدة، وهى جميعها كلمات عبرية.

قبل ثورة يوليو ١٩٥٢ فى مصر كانت للماسونية حرية أوسع فى كبرى الدول العربية. وقع بين أيدينا «بيان هام» صادر عام ١٩٤٧ عن «المحفل الأكبر الوطنى المصرى» يثبت علاقة ماسون مصر بماسون سوريا ولبنان. غير أن الزعيم القومى، جمال عبد الناصر، وضع فى عام ١٩٦٤ حداً لأنشطتهم مثلما فعل السوريون بعد ذلك بعام.

لكن الأمر استغرق خمس عشرة سنة قبل أن تصدر جامعة الدول العربية قرارها رقم ٢٣٠٩ لعام ١٩٧٩ الذى جاء فيه: «أولاً: اعتبار الحركة الماسونية حركة صهيونية، لأنها تعمل بإيحاء منها لتدعيم أباطيل الصهيونية وأهدافها، كما أنها تساعد على تدفق الأموال على إسرائيل من أعضائها، الأمر الذى يدعم اقتصادها ومجهودها الحربى ضد الدول العربية. ثانياً: حظر إقامة مراكز أو محافل لنشاطات الماسونية فى الدول العربية وإغلاق أى مكان لها فى تلك الدول».

رغم ذلك، لا يزال هناك، حتى اليوم، جدل يلف دولاً عربية بشأن الماسونية، خاصةً تلك منها القريبة من إسرائيل. ووسط ذلك ألقى فقهاء الإسلام والمسيحية بثقلهم فى مواجهة الماسونية، إذ أصدر الأزهر الشريف فى الثامن والعشرين من نوفمبر عام ١٩٨٤ فتوى، جاء فيها أن هذه المحافل الماسونية ليست سوى جهاز يهودى بأشخاص مسلمين يعملون للتمكين لإسرائيل وإزاحة العوامل لوجودها فى قلب الأوطان الإسلامية. وتستخلص فتوى الأزهر الشريف: «… ولذلك، فإننا نؤكد أن المسلم لا يمكن أن يكون ماسونياً، لأن ارتباطه بالماسونية انسلاخ تدريجى عن شعائر دينه ينتهى بصاحبه إلى الارتداد التام عن دين الله …»

و كان المجمع الفقهى لرابطة العالم الإسلامى فى مكة المكرمة قد أصدر فى الخامس عشر من يوليو عام ١٩٧٨ فتواه التى استخلص فيها ما يلي: «… لذلك، ولكثير من المعلومات الأخرى التفصيلية عن نشاط الماسونية وخطورتها وتلبيساتها الخبيثة وأهدافها الماكرة، يقرر المجمع الفقهى اعتبار الماسونية من أخطر المنظمات الهدامة على الإسلام والمسلمين، وأن من ينتسب إليها على علم بحقيقتها وأهدافها فهو كافر بالإسلام مجانب لأهله …»

و فى السادس والعشرين من نوفمبر عام ١٩٨٣ أعلن مجمع عقيدة الإيمان، ممثلاً فى شخص الكاردينال جوزيف راتزينغر، بياناً بموافقة الحبر الرومانى بابا الفاتيكان، يوحنا بولس الثانى، أكد فيه أن الكنيسة والماسونية على طرفى نقيض.

و رغم هذا الموقف العربى الإسلامى المسيحى الذى يبدو صارماً، فإن أخطر ما فى الماسونية هو قدرتها على التلون مع الظروف والتكيف مع التيار. إنها ميزة اكتسبوها من خلال تاريخهم الحافل بالاقتفاء والتخفى وتغيير الجلد قبل الظهور مرة أخرى، كالحرباء أو كالثعبان أو كالسرطان. وما يثير القلق فى الوقت الحاضر أن المناخ الجديد فى منطقة الشرق الأوسط فى ظل ما يوصف بالسلام مع الإسرائيليين يوفر تربة طازجة، تشبه إلى حد بعيد تشكيلات التربة التى انتعشت الماسونية فى أحضانها من قبل.

يقول أحد نقادهم إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بكل الأديان ويعتنقون كل الفلسفات ويدعمون كل الفصائل، يحتاجون فى الواقع إما إلى ساذج يصدقهم، ولا يرقى بينهم على أية حال، أو إلى فاسق يصدقهم ويصدق نفسه ويرقى بينهم ويستغل الساذجين.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s