المعادل الموضوعي في مسرح شكسبير

 

 William Shakespeare

نشر في العدد 198 إبريل 2016 – مجلة تراث الاماراتية

يحتفل العالم هذا الشهر بمرور أربعمائة عام على رحيل الكاتب المسرحي البارز “وليم شكسبير” المتوفي في 23 إبريل 1616م. والذي برغم مرور مئات السنين على رحيله، إلا أنه لا زال ينبض بالحياة على خشبات مسارح العالم.

لقد أبهر شكسبير العالم كله بطريقته في تصوير دخائل النفس الإنسانية، وما تحمله من مشاعر وأهواء. فعندما نقف أمامه، فإننا نقف أمام ظاهرة فنية فذة في تاريخ المسرح، بل وتاريخ الإنسانية. لقد قدم لنا في مسرحياته حوالي ألف شخصية لا تتماثل فيها شخصيتان. ولم تكن براعته تكمن في رسم الشخصيات الرئيسية فقط، ولكنه برع كذلك في رسم المئات من الشخصيات الثانوية. كما تكمن عبقريته في إنه قبل أن يخلق المأساة أو الملهاة، خلق الشخصيات الملائمة التي تصنعها. وقبل أن يخلق الشخصية، خلق لها الطباع البشرية التي لابد أن يصدر عنها التصرف الملائم.

إن المتأمل لحواره في “هاملت” أو “ماكبث” أو “روميو وجوليت”، وغيرها، يلاحظ أن طريقة الحديث بين الشخصيات لا تجرى من منطق الحديث الواقعي بين الناس في الحياة، إنما هو حوار يجري على منطق الشعر. فهو يقفز قفزات، ويعبر فجوات ويستعين بالكلمات المضيئة والحكم البليغة والصورة اللامعة، ليصل في صفحات قليلة إلى أغوار النفس البشرية. ولكلماته وعباراته وميض كالبرق الخاطف في لحظة ظلمات الطبائع الإنسانية. وهو مؤلف واقعي الهدف شاعري الأسلوب.

يرجع الفضل إلى شكسبير في بروز نظرية المعادل الموضوعي التي نادى بها ت.س. إليوت وهو يقوم بنقد “هاملت” في سنة 1919. ومن المعروف أن إليوت وهو الناقد الأول في القرن العشرين، والذي لم يترك عملا من أعمال شكسبير إلا وتناوله بالدراسة والتحليل. واستطاع أن يلقي الضوء على عبقرية شكسبير الخلاقة، وأن يشرح ويفسر الكثير في اتجاهات هذه العبقرية، ولكنه عندما تعرض لهاملت وجدها ناقصة على خلاف المسرحيات الأخرى، لأن الإحساس الذي أراد الشاعر أن ينقله لنا كان أكثر من الموضوع الذي قدمه. أي أن مسرحية هاملت لا تعادل الإحساس الذي يريد شكسبير أن ينقله. ومن ثم كتب إليوت في تعريف المعادل الموضوعي، قائلا:

“الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الوجدان في الفن هي بإيجاد معادل موضوعي. أو بعبارة أخرى بخلق جسم محدد أو موقف أو سلسلة من الأحداث تعادل الوجدان المعين الذي يراد التعبير عنه، حتى إذا ما اكتملت الحقائق الخارجية التي لابد أن تنتهي إلى خبرة حسية تحقق الوجدان المطلوب إثارته. وبناء عليه فالحتمية الفنية تتحقق إذا تساوت الحقائق الخارجية مع الوجدان مساواة كاملة، وهذا بالضبط ماينقص هاملت، الرجل الذي يسيطر عليه وجدان لا يمكن التعبير عنه، لأنه أكثر من الحقائق الخارجية كما هي”.

وإذا كان هذا ما ينقص هاملت – كما يرى إليوت – فإن ما يميز شكسبير في جميع مسرحياته الأخرى هو إنه لا وجود فيها لوجدان مجرد أو تائه أو معلق في الهواء. وبالمثل لا وجود فيها لفكرة مجردة أو صارخة أو خارجة عن مجرى المسرحية وتطور الأحداث.

وإذا كانت الحتمية الفنية تتحقق بإيجاد معادل موضوعي للإحساس أو للفكرة، فقد كانت عبقريته تتمثل في خلق هذا المعادل كما لو كان تلقائيا. والسر في ذلك هو أننا عندما نقرأ مسرح شكسبير نلتقي بشكسبير الفنان فقط. أما شكسبير الرجل فلا وجود له. ومن ثم كانت قدرته الفائقة على الخلق، لأن قدرته على التخيل كانت حرة طليقة لا يقف في طريقها شكسبير الرجل، أو حتى ظل هذا الرجل بآرائه ومعتقداته، وما يحب وما يكره وما يعاني وما يحلم به.

لقد كتب أحد النقاد الرومانتيكيين مرة يقول: “إن الشجرة التي كانت ترفرف بظلالها على الغدير، الذي أغرقت فيه أوفيليا نفسها، هذه الشجرة وصفها شكسبير وصفا بلغ من روعته أنه يخيل إليك أن شكسبير نفسه تحول إلى شجرة”. وذكر إليوت أيضا: “إن شكسبير لم تكن له شخصية يريد التعبير عنها بل يريد دائما الهروب منها”. فنجده قادرا على أن يتقمص أيه شخصية،. أو يتحول إلى أي كائن، فيصبح أي شئ وكل شئ.

كان شكسبير يكتب مسرحياته لكي تمثل، وليست لكي تقرأ فقط. فكان على معرفة دقيقة بالمسرح، وكان يحبه ويحيا فيه. كنا أن مسرحياته لم تحتو على ما يحدد جمهوره أو يقصره على فئة معينة. بل نجد أن وصل شكسبير لجمهور السينما. وتظل الشخصيات التاريخية مثل أنطونيوس وكليوباترا وأكتافيوس قيصر، بالنسبة لمعظمنا شخصيات بعيدة وغامضة، لكن إذا ما تعمقنا في دراسة مسرحية “أنطونيو وكليوباترا” لشكسبير، فإننا نجد أن هذه الشخصيات وقد امتلأت فجأة بالحياة والقوة والإقناع. ولا شك أن من يقرأ شكسبير أو يشاهده أو يمثله، سوف يزداد حكمة وخبرة وتجربة، وهو يحيا في أعماله حيوات كثيرة، ويمر بأزمات عصيبة في صحبة العديد من الشخصيات العظيمة.

رحل وليم شكسبير في عام 1616م بعد أن ترك للعالم ستة وثلاثون مسرحية، وأكثر من مائة وعشرون سونيته وقصيديتين طويلتين. ولم يكن يعي هذا الشاعر الريفي البسيط أنه سيعيش بعد موته مئات الأعوام بفضل عبقريته في رسم شخصياته التي لازالت تتجسد، ويتبارى المخرجون على مر الأزمنة بجميع مسارح العالم في جعل تلك المسرحيات متماشيه ومواكبة لكل عصر تعرض فيه.

مراجع للقراءة:

  • فرانك م. هوايتنيج: المدخل إلى الفنون المسرحية، ترجمة: كامل يوسف. طبعة خاصة لوزارة التربية والتعليم 1970.
  • مجلة المسرح: العدد الرابع، إبريل 1964.
  • دريني خشبة: أشهر المذاهب المسرحية، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 1999.

12947036_10153993114205772_1941043562_o

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s